محمد طاهر الكردي

343

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

( أحدها ) أنه ذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح وأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي وحق وإلى هذا ذهب معاوية ، وحكي عن الحسن في غير المشهور وحجتهم قوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ الآية ، وما حكوا عن عائشة : ما فقدت جسد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : بينا أنا نائم ، وقول أنس : وهو نائم في المسجد الحرام وذكر القصة ثم قال في آخرها : فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام ، وفي العروة الوثقى وحديث عائشة صحيح في المعراج الذي اتفق للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، على فراشها في المدينة وقالت : ما فقدت جسد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقول ابن عباس أيضا صحيح في المعراج المكي الذي أخبر به نص التنزيل بقوله : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ الآية ، لقوله تعالى : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . ( والثاني ) أنه ذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه أسري بروحه وجسده وفي اليقظة وهذا هو الحق ، وهو قول ابن عباس ، وجابر ، وأنس ، وحذيفة ، وعمر ، وأبي هريرة ، ومالك بن صعصعة ، وأبي حبة البدري ، وابن مسعود ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن المسيب ، وابن شهاب ، وابن زيد ، والحسن في المشهور ، وإبراهيم ، ومسروق ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن جرير ، وهو قول الطبري ، وابن حنبل ، وجماعة عظيمة من المسلمين ، وهذا قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين . ( والثالث ) أنه في المنام ، قالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح في المنام ، قال القاضي عياض : الحق والصحيح أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار ، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ، إذ لو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل : بِعَبْدِهِ وقوله : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ، ولو كان مناما لما كان فيه آية ولا معجزة ، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه فيه ، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به ، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر ، بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحالة يقظته ، إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس أو في السماء على ما روى غيره ، وذكر مجيء جبريل له بالبراق ، وخبر المعراج واستفتاح السماء فيقال : من معك ؟ فيقول : محمد ،